|
رسالة من السجن
يدرك الذين يعرفوني ان المحاماة بالنسبة لي هي رسالة بقدر ما هي مهنة شريفة. وان في طليعة مهامي واهدافي كمحام هو الدفاع عن الكرامة الانسانية المتأصلة وعن الحقوق المدنية والدستورية وحقوق الانسان لكل الناس وفي طليعتها الحرية ، وان اداتي الوحيدة في اداء هذه المهام هي الشرائع لأن حكم الشرائع هو عماد التكوين الاجتماعي والسياسي والاقتصادي.
والآن وبعد احتجازي منذ يوم الجمعة في 8 آب 2003 في سجن قصر العدل في بيروت، ادرك اكثر من أي وقت مضى ان ما قمت واقوم به في ممارستي مهمتي كمحام ورفع رسالة المحاماة ليس في نظر البعض امرا" طبيعيا" عاديا" بل يشكل حالة تجرد غير مقبولة منه وتستوجب القصاص.
ويتبين من هذه النظرة انني تجرأت كثيرا" خلال العشر سنوات الماضية سواء بالدفاع عن عشرات الملاحقين بجرائم سياسية امام المحاكم العسكرية ، او عن مئات الاجراء والعمال والفلاحين الذين يعانون من استبداد او سوء استعمال او استبداد السلطة ، وتجرأت اكثر عندما عارضت الاستيلاء على مدينة بيروت القديمة بأسرها لحساب شركة سوليدير التي تخص من تخص بانتهاك الدستور وحقوق اهالي بيروت المدنية والانسانية ومنعهم من استعمال حق العودة الذي اعطي لسائر المهجرين اللبنانيين في كل المناطق اللبنانية ما عدا مدينة بيروت.
ولا بد انني تجرأت حديثا" جدا" بصورة غير مقبولة ابدا" لأصحاب هذه النظرية بأن عددا" كبيرا" من زملائي المحامين رشحني لمركز نقيب للمحامين في الدورة المقبلة (تشرين الثاني 2003 ) وانني زرت بطريريك لبنان الماروني الكاردينال نصر الله صفير الذي صرح بأن الحواجز الطائفية ليست مقبولة وان ما يجب ان نسعى اليه في اشخاص الذين يتسلمون المواقع العامة هو الجدارة وخدمة الوطن . وفي ذات الوقت تجرأت على الدفاع عن محام لبناني من عائلة لبنانية كريمة في وجه ثلاثة من الأمراء السعوديين ، تماما" كما تجرأت قبل سنتين في الدفاع عن احد المحامين اللبنانيين في صيدا في وجه ثلاثة قضاة لبنانيين وتجرأت قبل ذلك على اخراج محام ونائب سابق من احد محلات التوقيف حيث كانت حريته محتجزة بصورة مخالفة للقانون.
ولا بد انني تجرأت اكثر من اللزوم بالاشتراك في تأسيس واطلاق الحملة من اجل النزاهة في القضاء وقبلها حملة العودة إلى وسط بيروت.
ولا ينسى اصحاب هذه النظرية ابدا" انني تجرأت حين دافعت عن الذين احتجزت حريتهم لدى محاولتهم التظاهر امام محطة MTV ثم نشرت آراء قانونية مخالفة لاقفال المحطة بالطريقة التي اقفلت بها والتي تنتهك كل المبادىء والشرائع . وانني تجرأت حين قبلت الدفاع عن فلاحين في محافظة النبطية تنتهك حقوقهم وتسلب اراضيهم بمساعدة اعوان السلطة.
اما تجاه نقابة المحامين في بيروت ، وهي ليست نقابة محامي بيروت بل نقابة المحامين في لبنان كله ما عدا محافظة لبنان الشمالي ، فيبدو انني تجرأت كثيرا":
ـ تجرأت لانني امتنعت عن قبض سلفة الخمسين الف ليرة حوالي العام 1980 (وقيمتها بحسب القوة الشرائية للعملة اليوم لا تقل عن الخمسين الف دولار ) التي وزعتها الدولة على المحامين ولم تستردها ابدا".
ـ تجرأت لانني اشتكيت على النقابة إلى النيابة العامة المالية بسبب دخولها في عقد الضمان الصحي مع شركة مدغلف (التي يملك نصفها رئيس الوزراء ) بسعر يزيد كثيرا" عن الاسعار المنافسة باستعمالها للمال العام الناتج عن ضريبة الواحد بالالف لصالح المحامين بقانون خاص . ولان النقابة أخذت تجبي هذه الضريبة مباشرة وبصورة مخالفة للقانون من كتاب العدل بدلا" من ان تذهب إلى وزارة المالية بحسب النصوص القانونية ، ومع اعطاء حسومات عليها تناهز 10 % او اكثر.
ـ تجرأت لأنني ادعيت على النقابة لاجبارها المحامين دون وجه حق بتمويل مشروع بناء النادي الذي تحول إلى بيت المحامي في هيكل بشع ، تحت طائلة عدم قبولهم تسديدهم اشتراكاتهم وعدم اعطائهم حقهم في الضمان الصحي.
ـ وتجرأت لأنني ، مع نفر من الزملاء المحامين ، ادعينا على النقابة من اجل تصحيح او ابطال محاضر بعض الجمعيات العمومية المخالفة للأصول.
ـ وتجرأت لأنني ، وفي ممارستي لحق الدفاع المشروع عندما تقدم نقيب المحامين السابق بشكوى جزائية ضدي امام النيابة العامة الاستئنافية في بيروت في تشرين الثاني 2001 يتبين من تاريخ تسجيلها في سجل الشكاوى انها قدمت في اليوم التالي لانتهاء ولايته، مدعوما" بقرار من مجلس النقابة يعتبر الانتقاد الموجه له من الحملة من اجل النزاهة في القضاء بسبب تسرعه في اعطاء الاذن بالملاحقة ضد احد المحامين في صيدا من نوع القدح والذم ، واعطى هذا المجلس في القرار ذاته الاذن المسبق بملاحقتي كما عرفت فيما بعد . وعندما امتنعت النقابة عن اطلاعي على وجود القرار المذكور وعن اعطائي نصه عمدا" وباصرار حتى لا اتمكن من استعمال حقي المشروع بالطعن به قبل صدور القرار الظني عن قاضي التحقيق الأول ، تجرأت على التقدم بدعوى مدنية ضدها وضد النقيبين السابق والحالي بعد الانذار.
ـ وتجرأت لان نقيب المحامين اصدر كتابا" يدعوني للحضور إلى مكتبه دون ذكر الموضوع ولم احضر.
ـ ولا بد انني تجرأت عندما عارضت قيام مجلس النقابة بدور سياسي يخضع للتأثيرات الحزبية والطائفية مما حمل بعض النقابيين المتميزين بتعصبهم الطائفي الشديد على اتهامي بإثارة النعرات الطائفية.
والآن
ادرك انه يراد مني ان ادفع ثمنا" لأنني فعلت ما فعلته عن قناعة تامة وعن ايمان صحيح بأن القوة لا تخرج إلا من الحق وانه لا يخرج من القوة أي حق ، وعن اعتقادي بان الشرائع عندما يساء تطبيقها وتحول لغير غايتها تفقد مشروعيتها ولا تعود شرائع.
لذلك اراني متمسكا" بكل ما فعلته وفخورا" به وبصوابيته لا سيما وان حجز حريتي يثبت لي اكثر من أي دليل آخر كم كنت وما ازال وسابقى على حق.
|